السنّ الذهبي
*
كلما أطلّ صباح جديد، يترقّب المسنّ رنين هاتفه.
ينتظر رسالة عبر “الواتس اب” من أحد أبنائه، أو اتصالًا عابرًا يطمئن قلبه.
وإن تأخرت الرسالة، انشغل باله، وبقي قلقًا حتى يعرف خبرًا عن هذا أو تلك عبر أحد الإخوة.
كبرت عائلاتهم، تشعّبت مسؤولياتهم، واتّسعت دوائر حياتهم.
صار الأب خارج مركز الاهتمام، لا عن قسوةٍ مقصودة، بل عن انشغالٍ دائم.
زياراتهم ندرت، ومواعيدهم امتلأت؛
هم في أعمالهم، وأولادهم في مدارسهم، والحياة تركض بهم و هم يهرولون علهم ينالون ما يبتغون .
أما هو، فصار على لائحة الانتظار ،
حنانه يثقله، وانتظارهم يشغله.
وإذا قصد بيت أحدهم زائرًا، كان الاستقبال لائقًا، والمحبّة ظاهرة.
يجلس بينهم كمن يتدفأ قليلًا بسلامهم و محبتهم .
لكن قبل غروب الشمس، يعود أدراجه، محمّلًا بالشوق، وبخشية أن يطول الفراق حتى اللقاء المقبل.
النهار طويل… طويل إلى حدّ الملل.
والليل أرقٌ بأفكار تتكاثر في عتمته.
الصمت يرهقه كما الضجيج،
والهدوء يثير أعصابه كما الفوضى.
يمضي أيامه بين قراءة، ومشاهدة تلفاز، ومشوار مشيٍ يحاول به أن يقنع جسده أنه ما زال قادرًا.
ثم ماذا بعد؟
يقال: “السنّ الذهبي”.
لكن لأيّ سنٍّ يكون ذهبيًا؟
أهو لمن بقي فاعلًا، ميسور الحال، محاطًا بدائرة اهتمام لا تنقطع؟
أم لمن تقاعد براتب محدود، بالكاد يكفي لتسديد الفواتير؟
للكهرباء اشتراكان،
وللمياه اشتراك، والمياه شبه منقطعة.
يعتمد على الصهاريج لحاجات المنزل، ويشتري مياه الشرب في قنانٍ معبّأة.
حياته لا تختلف كثيرًا عن حياة أبناء وطنه، إلا في بندٍ واحدٍ يثقل الميزان:
الدواء وأجور الأطباء ، كلما تقدّم به العمر، تضخّمت الفاتورة الصحية،
وتكاثرت العلل، ولكلّ عِلّة دواء،
وقد تتضارب الأدوية في ما بينها، فتغدو علاجًا وعبئًا في آن.
هذا هو “السنّ الذهبي” كما يعيشه:
انتظار،
وصبر،
وحسابات دقيقة بين ما يحتاج وما يستطيع.
ومع ذلك، يبقى قلبه معلّقًا بصوت هاتفٍ قد يرنّ،أو رسالةٍ صغيرةٍ تقول له:
نحن هنا… لم ننساك.
ملفينا توفيق ابو مراد
٢٠٢٦/٢/٢٥
