الاستمرارية في زمن الحداثة

نعيش حياتنا متمسكين بخيوط التقاليد، نستمدّ منها وعينا الأول، وننهل من معين البيئة التي شكّلت ملامح شخصيتنا. غير أنّ عجلة التطور لا تنتظر أحدًا؛ فهي تمضي بنا إلى آفاق جديدة، وتفرض علينا أن نتعلّم كيف نسير في خطّين متوازيين: خطّ القيم التي تربّينا عليها، وخطّ الحداثة التي يفرضها العصر.

لنتأمل “الجمعة العائلية”. كانت يومًا بساطًا بسيطًا يجمع الأسرة حول مائدة متواضعة على الأرض. ومع مرور الزمن، تبدّل الشكل: صارت الطاولة أعلى، والكراسي أكثر أناقة، وربما اتّسعت البيوت أو ضاقت. تغيّرت الهيئة، وتبدّلت الوجوه؛ فمنهم من غيّبه السفر، ومنهم من استقلّ بحياته، ومنهم من رحل عن دنيانا. لكنّ الجوهر لم يتغيّر: الرغبة في التواصل، والحنين إلى الاجتماع.

التواصل هو الذي يمنح الاستمرارية معناها. فكلّما اتّسعت دائرة تفاعلنا مع الآخرين، ازددنا نضجًا واكتسابًا، وابتعدنا عن الانغلاق الذي يشبه عصفورًا في قفص. الفكر المنعزل يبقى ساكنًا، أمّا الذي يجرؤ على مغادرة شرنقته، فينطلق نحو أفق أوسع، من دون أن يقطع خيوطه الأولى.

الحرية الحقيقية لا تعني نسيان الجذور، بل تعني التناغم بين الاستمرارية والتجديد. هذا المزج الخلّاق هو سرّ التألق، وهو المنبع الأصيل لكل إبداع.

على امتداد التاريخ، كان أجدادنا الفينيقيون روّاد بحرٍ وتجارةٍ وحرف، نشروا الأبجدية وتركوا أثرهم في المتوسط. واليوم، يهاجر أبناؤنا حاملين العلم والمعرفة إلى أقاصي الأرض. منهم من تبوّأ مناصب رفيعة، مثل ميشال تامر الذي تولّى رئاسة البرازيل (2016–2018)، وكارلوس منعم الذي تولّى رئاسة الأرجنتين (1989–1999 و1995–1999). إنها استمرارية بروح جديدة: جذورٌ ثابتة، وأغصانٌ تمتدّ نحو العالم.

هكذا كانت البدايات، وهكذا يستمر المسار:
لا قطيعة مع الماضي، ولا ذوبان في الحداثة، بل انسجامٌ يربط الأصل بالامتداد.

ملفينا توفيق أبو مراد
عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين
٢٠٢٦/٢/٢٥

أضف تعليق