الجدة المظلومة
حوار في معمل الحرير أو مشغل الحرير في بسوس – قضاء عاليه .
قبل و خلال، وبعد الحرب العالمية الثانية، كان الحرير الطبيعي مشهورًا. تُربّى دودة القزّ على أوراق التوت النضر، فتتحوّل إلى شرنقة. والشرنقة عبارة عن خيوط حرير تلفّها الدودة حول نفسها. وإذا لم تُسلَق في أوانها، تتحوّل الدودة إلى فراشة تمزّق الشرنقة لتخرج منها، فيتلف الحرير .
كم من فتيات تلك المنطقة عملن في هذا المعمل أو المشغل، أو الكرخانة كما كان يُسمّى، ولا يزال الاسم مستعملًا حتى اليوم بعد أن أصبح المكان متحفًا. ومن الطبيعي أن تخبر العاملات أبناءهن عن هذا المكان، وعن الأجر الذي كنّ يتقاضينه: خمسة وسبعون قرشًا أسبوعيًا، أي ثلاثة أرباع الليرة، يوم كانت الليرة اللبنانية مئة قرش .
كانت سارة تمارس رياضتها اليومية. الصدفة جعلتها تكمل طريقها حتى وصلت إلى بسوس، قرب الكرخانة. كان المدخل مغلقًا، ومزيّنًا بحجارة مبرومة تشبه حجارة الطاحون القديمة. عند رؤيتها، تذكّرت قصة جدّتها عن عملها في هذا المكان، وجال في خاطرها ما كانت تتعرّض له جدّتها والفتَيات العاملات :
كان المشرف على الصالة ينادي إحداهنّ قائلًا :
نتِ يا فتاة… يا ذات الشعر الأشعث .
(إذ كان يستحيل أن ينادي العاملة باسمها، بل يصف شكلها تحقيرًا لها ) .
محسوم عليكِ ربع ليرة لأنك تأخّرتِ. ادخلي إلى عملك دون كلمة .
تتعثر هدى، جدّة سارة، بدموعها وتقول في سرّها :
“اسمي هدى… سرق مني الوكيل ربع ليرة! ماذا سأقول لأبي الظالم؟ سيضربني ويتّهمني أنني سرقت الربع ليرة وصرفته، بينما البيت أولى بكل قرش أجنيه ” .
للأسف، كم كانت الحياة صعبة. كانت البنت في ذلك العصر إمّا تُرسَل للخدمة في بيوت الأغنياء حيث الذلّ يُلازمها، وإمّا تُرسَل للعمل في المصانع أو في الحقول .
وأين المدرسة؟ أين العلم؟
كانت الحياة شاقّة، والأبوان لا يعرفان شيئًا عن تنظيم النسل. في البيت ما لا يقل عن عشرة أولاد بين ذكور وإناث .
كان الذكور يُرسَلون لتعلّم صنعة:
حدادة، نجارة، وغيرها من الحِرَف، فيما كانت الأمّية تتغلغل في المجتمع .
قالت سارة بمرارة :
؟ حرام عليكِ يا جدّتي… كم كنتِ مظلومة
ابنة عشر سنوات تعملين في هذا العمل الشاق، قرب قدور السلق والنار المشتعلة .
أمّا اليوم، فبنات بعمرك يتدلّلن .
ونحن تربّينا على الدلال في أحضانكِ ، كما في أحضان والدينا ،
أجمل الألعاب كنتم تشترونها لنا، بينما أنتِ ومن معك من الفتيات المرهقات كنتنّ تقطعن أكثر من أربعة كيلومترات يوميًا، حسب بُعد قراكنّ عن بسوس. وفي طريق العودة، تجمعن ما يقدّمه الموسم من خيرات الحقول: السليق، الهندباء البرّية، القرصعنة .
آه منكِ أيها الفقر
كم عانت جدّتي وجدّي وغيرهما من وطأتك .
ملفينا توفيق ابومراد
عضو اتحاد الكتاب اللبنانين
2025\12\8
